فيروسات بلا جواز سفر 

في يوم خريفي حار على غير عادة شهر سبتمبر حيث كنا نستمتع بنسمات الخريف المنعشة مع بداية الدوام المدرسي، جلستُ في إحدى حصص الفراغ أطالع مقالات على الإنترنت حول انتشار الأمراض المعدية وذلك بعد انتشار خبر مخيف عن متحور كورونا الجديد الذي تزايد مع ارتفاع درجات الحرارة، لتدخل وتقاطع قراءتي مُدرّسة مادة علم الأحياء الآنسة “مروة عز الدين” ويلفت نظرها اهتمامي بموضوع انتشار الأمراض المعدية بسبب التغير المناخي ونظراً لأهمية وخطورة هذا الموضوع دعتني لحضور حصتها في مادة علم الأحياء التي تتحدث عن الفيروسات والجراثيم و الأمراض التي تسببها.

رنَّ جرس بداية الحصة، دخلتُ وجلستُ في المقعد الأخير لأسمع وأدون ملاحظاتي وكأن الزمن عاد بي إلى عامي الدراسي الأخير في الثانوية العامة (البكلوريا). 

بدأت زميلتي مروة تشرح درسها كعادتها بابتسامتها المشرقة وطريقة سردها السلسة الغنية بالمعلومات القيّمة: 

سنكمل درسنا اليوم عن أنواع الجراثيم والفيروسات والأمراض التي تسببها، لكن قبل ذلك من يستطيع أن يقدم لنا تذكير سريع لدرسنا السابق عن مرض الملاريا؟” 

ترفع بتول يدها وتبدأ التذكير: 

” الملاريا هي مرض طفيلي يسببه طفيل اسمه (المتصورة) ينتقل من لدغات البعوض الحامل له، ويُعد مرض الملاريا مرضاً مهدداً للحياة، يبدأ بتكاثر الطفليات بالكبد ثم تنتقل لتصيب خلايا الدم الحمراء مما يسبب ظهور أعراض تشبه فقر الدم والإنفلونزا. 

تتكاثر البعوضة التي تنقل المرض في المستنقعات، وهي بعوضة الأنوفيليس، التي تنقل الطفيل من المريض بعد لدغه وأخذ الجراثيم من دمه إلى دم الشخص السليم.

” رائع !” اجابت مروة وتوجهت بسؤالها الى فاطمة: 

“إذاً، هل تعتقدين يا فاطمة أن لتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة دور في انتشار الملاريا؟” 

أجابت فاطمة بكل ثقة: “نعم بالتأكيد”

 و أكملت الشرح:” أن التغير المناخي سيزيد رقعة تفشي الإصابة بالملاريا في بلدان لم تشهدها من قبل وتشير الدراسات أنه إذا زادت درجة حرارة الأرض درجة مئوية واحدة بنهاية عام 2030، ستزداد أعداد الإصابة بالملاريا لأن أنثى بعوضة الأنوفيليس المسببة للملاريا، والتي تعيش في درجة حرارة عالية، تهاجر إلى بلدان عدة وقد تستقر في أي من  البلدان التي شهدت ارتفاع في درجات الحرارة أو البلدان المتأثرة بالتغيرات المناخية، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأمطار وما ينتج عنهما من تكوين مياه راكدة تشكل تربة خصبة لنمو البعوضة التي تنقل المرض

شكرت مروة الطالبتين بابتسامة راضية عن جودة معلوماتهما وحسن مذاكرتهما وتابعت درسها مع رسوماتها التفصيلية على السبورة: 

” وعلى غرار الملاريا التي يطلق عليها لقب مرض الفقراء، لدينا مرض الطاعون أو ما يوصف بالموت الأسود، يطلق على أحد أنواع هذا المرض (الطاعون الدَّبْلي) الذي يُعد مرضاً معدياً قد يفضي إلى الوفاة، وتحدث الإصابة به بسبب بكتيريا تسمى (يرسينية) تعيش في بعض الحيوانات، لاسيما القوارض، والبراغيث، كما يمكن أن تحدث إصابة للقطط والكلاب المنزلية بسبب لدغات براغيث أو أكل قوارض مصابة.

يعد الطاعون الدَّبْلي هو النوع الأكثر شيوعاً للمرض الذي يمكن أن يصيب الإنسان، وتأتي تسميته بهذا الاسم من الأعراض التي يسببها، مثل تورم مؤلم في العقد اللمفاوية أو “دّبْل” في الفخذ أو الإبط ، ويمكن أن يؤثر الطاعون أيضا على الرئتين، مما يسبب السعال وألم الصدر وصعوبة التنفس،  ويمكن أن تدخل البكتيريا أيضا مجرى الدم وتسبب ما يعرف باسم (تسمم الدم أو الإنتان) ، الذي قد يؤدي إلى تلف الأنسجة وفشل الأعضاء والوفاة. 

لقد كان هذا المرض يعتبر كابوس في العصور الوسطى وسافر عبر الزمن ليعود الينا اليوم، بسبب ما تقاسيه الأرض من ظروف مناخية متغيرة تجبر الحيوانات حاملات الأمراض على تغيير وسطها الحيوي الطبيعي والتقرب من الانسان بشكل أكبر بسبب فقدان موطنها، ويصاحب ذلك ارتفاعُ خطرِ انتقال الأمراض الحيوانية إلى البشر وظهور مسببات أمراض جديدة.

ومن الامراض التي تنتقل أيضا عن طريق عدة أنواع من البعوض مرض حُمّى الضنك (الحُمّى المؤلمة للعظام) وهي عدوى فيروسية ينقلها البعوض إلى البشر، وتكون أكثر شيوعاً في المناخات الاستوائية وشبه الاستوائية.

 ينتقل فيروس حُمّى الضنك إلى الإنسان بواسطة قرص إناث البعوض الحاملة لعدواه أو أن يصاب البعوض بعدوى المرض عن طريق الأشخاص الذين يحملون فيروسه في دمهم والذين لم تظهر عليهم أعراض المرض بعد، وهي البعوضة نفسها التي تنقل أمراض فيروس زيكا و الشيكونغونيا والحمى الصفراء التي تشترك بالأعراض المرضية نفسها تقريباً. 

 ازدادت بشدّة معدلات الإصابة بحُمّى الضنك في أنحاء العالم بأسره خلال العقود الأخيرة، وقد أُبلغ عن أكبر عدد من حالات حُمّى الضنك في عام 2023، ويرتبط التوسع العمراني (غير المنظم خاصة) بنقل عدوى حُمّى الضنك من خلال عدة عوامل اجتماعية وبيئية هي: الكثافة السكانية، وتنقّل البشر، وإتاحة مورد مياه موثوق، وممارسة تخزين المياه، وما إلى ذلك

كما تتوقف مخاطر تعرض المجتمع المحلي للإصابة بحُمّى الضنك على مدى معرفة السكان بالمرض ومواقفهم وممارستهم إزاءه، لأن التعرض للمرض وثيق الارتباط بسلوكيات مثل تخزين المياه، وتربية النباتات، وحماية الفرد لنفسه من قرص البعوض. وتتعزّز قدرة المجتمع المحلي على الصمود بشكل كبير بفضل مشاركته في الاضطلاع بأنشطة روتينية في مجال ترصّد نواقل المرض ومكافحتها، قد تتأقلم النواقل مع الظروف الجديدة للبيئة والمناخ بسبب الطابع الديناميكي للتفاعل بين فيروس حُمّى الضنك والمضيف والبيئة. وعليه يمكن أن تتغير مخاطر المرض وتتبدل في ظل تغير المناخ في المناطق المدارية وشبه المدارية، بالاقتران مع زيادة معدلات التحضر وتنقلات السكان

” ذكرنا في بداية الحصة ان التغييرات المناخية تعد سبب رئيسي في انتشار الامراض المنقولة ، هل هناك امثلة أخرى؟ ” 

يرفع سامي يده موجها السؤال لزميلتي التي أجابت بثقة :

“نعم، هناك العديد” و أكملت :

” خير مثال عليها بكتيريا الإشريكة القولونية التي تعرف أيضا بجرثومة الأمعاء الغليظة أو الإي كولاي، التي تعتبر من مسببات الامراض المنقولة بالمياه وتتأثر بشكل كبير بالمتغيرات المناخية المحلية (هطول الأمطار، درجة الحرارة، التصريف) ففي الموسم الدافئ والرطب، تزداد تركيزات البكتيريا القولونية في المياه السطحية بسبب درجات الحرارة الدافئة وزيادة جريان مياه الأمطار (أي زيادة مدخلات الصرف الصحي وبكتيريا الإشريكية القولونية).

مثال اخر، فيروس حمى غرب النيل الذي ينتقل عن طريق لدغة بعوضة، ويُمكن أن تتسبب العدوى بفيروس غرب النيل بحدوث مضاعفات وأعراض خطيرة لدى المريض، بما فيها ضعف العضلات، والشلل، وفقدان الوعي لكن اللافت أن المبيدات الحشرية لم تعد كافية لمواجهتها في ظل توفر الظروف المواتية لتكاثر البعوض والتي تمكنه من نشر ما يحمل من فيروسات، وذلك بسبب التغيرات المناخية وتزايد معدلات أنماط المناخ والطقس المتطرفة.

“كيف يمكن لبعوضة صغيرة أن تحمل كل هذه الكوارث وتجوب بها العالم؟!” رفع أحمد يده وسأل بوجه يعلوه الفضول. 

ضحكت مروة وردت عليه: أحسنت السؤال، سأقدم لك عدة أسباب تمنح هذه الكائنات الصغيرة الاذن لتسافر حول العالم وتحدث هذه الجلبة الكبيرة: 

أولا، ارتفاع درجة الحرارة، إذ تعمل على تسريع دورات نمو البعوض، مما يؤدي إلى تكاثر أسرع، وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن متوسط درجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ارتفع بنحو 1.5 درجة مئوية على مدى القرن الماضي، وقد أدى هذا إلى توسع موطن البعوض

ثانيا، تغير هطول الأمطار المتزايدة والمتغيرة، والتي تؤدي إلى خلق المزيد من مواقع التكاثر، فعلى سبيل المثال شهدت بلاد الشام هطول أمطار أكثر تواترا وكثافة، مما أدى إلى زيادة المياه الراكدة، وهي مثالية لتكاثر البعوض.

أخيراً، مستويات الرطوبة المرتفعة التي تدعم بقاء البعوض ونشاطه، خاصة في المناطق الساحلية، مثل منطقتي البحر الأحمر ودلتا النيل. 

أعزائي الطلاب، بقي لدينا من الحصة عشر دقائق هل هناك سؤال اخر؟ 

هنا رفعت يدي وسألتها: باعتبار تعرُض بلدتكم لانتشار مرض مشابه بسبب تلوث المياه ماذا يمكن أن نفعل إذا وصلت هذه الامراض الخطيرة الى بلدنا –لا سمح الله- ؟  

شكرت سؤالي وأجابت: 

” على الصعيد الشخصي، يجب علينا بالمقام الأول أن نكون واعين ومدركين لخطورة هذه الامراض واتباع إجراءات السلامة والوقاية والنظافة الشخصية والعامة وأن نقوم أيضا بالفحص الدوري لدى الأطباء ونأخذ اللقاحات في مواعيدها

وعلى الصعيد المحلي يجب أن نقدم الدعم اللازم والكافي للمخابر ومراكز البحوث العلمية والزراعية لتطوير وتحسين الادوية والمضادات الحيوية واللقاحات وأن ندعم الشباب في مشاريعهم وبحوثهم وتسهيل عملهم على الأرض، مع التركيز على الاهتمام بالتربة والغطاء النباتي والعمل على إعادة التشجير الذي سيعيد التوازن الحيوي، واتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق من يعبث بالغابات.

 أما على الصعيد العالمي، يجب توحيد الجهود والعمل بيد واحدة لتخفيض درجة حرارة الأرض بتقليل الانبعاثات الكربونية وتقديم الدعم الكافي للدول النامية لمساعدتها على التكيف مع التغيرات المناخية والاتجاه الى أسلوب حياة اكثر استدامة لضمان تعافي كوكبنا وبالتالي ضمان سلامتنا وضمان مستقبل أفضل لأطفالنا ” 

ختمت مروة حصتها الممتعة بالمثل القائل : ” دِرهمُ وقايةٍ خيرٌ مِن قِنطارِ علاجْ” 

المراجع:

https://www.who.int/ar

دراسة: تغير المناخ قد يطلق العنان لسلسلة من الفيروسات القاتلة والأمراض المعدية

https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-53313973

https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/dengue-and-severe-dengue

بعد وصول حمى غرب النيل للأردن ما علاقة انتشارها بتغير المناخ؟

تأليف: هيلانة شيخ الشباب

إقرأ أكثر مع SCP
تاغز: