تآكل التربة وتأثيرها على المحاصيل الزراعية في طرطوس وريفها
ماذا لو قلنا أن ما يعادل ملعب واحد من ملاعب كرة القدم من التربة تتآكل كل خمس ثوان؟
هذا ما يحدث بالفعل , فقدان التربة السطحية يمكن أن تتسبب بشكل طبيعي بفعل الرياح والمياه أو الأمطار الغزيرة ,تنقل الرياح جزيئات التربة الدقيقة إلى الأراضي البعيدة أثناء الطقس الجاف أو في المناطق شبه القاحلة كما تحمل الأنهار جزيئات التربة مما يؤدي إلى حدوث تدهور و تآكل في التربة وخلل في إنتاج بعض المحاصيل الزراعية.
لا يمكن لوم الطبيعة وحدها على ما سببت من تغييرات رغم أن ذلك لا يُحدث أي مشكلة حقيقية تذكر .
أما الإنسان يلام أكثر وبجدية على الاستغلال غير المشروع للتربة وكل الإجراءات التي يقوم بها مسببة تلك التغيرات المناخية المتسارعة الحدوث بوتيرة عالية.
فهو نفسه يقوم بتكوين تآكل التربة من خلال أنشطة بشرية غير مستدامة وإدارة غير سليمة للأراضي كالاستخدام غير السليم للأسمدة الكيماوية والتكثيف الزراعي
والصادم أكثر أن استعادة بضعة سنتيمترات من التربة تحتاج 1000 سنة لتصبح خصبة.
لماذا التربة ؟
لأنها أساس الزراعة ، المكان الذي تنمو فيه النباتات وتلعب دوراً هاماً في تنظيم المناخ من خلال تخزين الكربون وتقليل انبعاثات غاز الدفيئة ،تحتوي على مجموعة متنوعة من الكائنات الحية كالبكتيريا والحشرات والجراثيم التي تساهم في تحسين خصوبة التربة .
هي ليست مجرد أداة نستخدمها للحصول على الغذاء بل هي مصدر حياتنا ،ولأنها مورد محدود من المهم تسليط الضوء بشكل بسيط حول هذا الموضوع
تربة سوريا،طرطوس تحديداً:
في دراسة نشرت على موقع pulsus.com عام 2017 لتحديد ورسم طريقة التوزيع المكاني لمخاطر تآكل التربة المحتملة في حوض الحسين،طرطوس ، سوريا تبين أن” التربة السورية تعاني من مشكلة تآكل التربة بشكل كبير وخاصة في المناطق الجبلية الساحلية الغربية ،حيث تهطل الأمطار بعد فترات طويلة من الجفاف بشكل عنيف ومركز و قصيرة المدة لا تزيد عن عدة أيام في المجموع السنوي إلى جانب التضاريس شديدة الانحدار وبالتالي تتراكم أطنان من التربة ذات المنحدرات الهشة”
تأكيداً على ذلك جاءت نتائج الدراسة كالتالي :
58%من حوض الدراسة يعاني من فقدان منخفض للتربة ،27% من فقدان معتدل ، 11%من فقدان مرتفع،4%من فقدان مرتفع للغاية.
تأثير تآكل التربة على المحاصيل الزراعية :
تحديات تواجهها المحاصيل الزراعية عند تآكل التربة ،عادة ما تكون مشوهة وأصغر وأقل تغذية .
هذا لا يؤثر فقط على المزارعين وإنما على كل من يتناوله ,فيتم استهلاك كميات أقل من المواد الغذائية حسب ما ذكرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة .
بعض مسببات تآكل التربة :
عن تأثير المبيدات والأسمدة الكيماوية على التربة ،ذكرت المهندسة سلافه درويش في مقابلة أُجريت معها “الأسمدة الكيماوية ليست خطيرة بمعنى الخطورة ولو أنها كذلك لأُصدر قرار دولي بمنع استخدامها وهي ليست أسمدة كيماوية حرفياً بل أسمدة معدنية تتم إضافتها للتربة وهي مفيدة، ولكن المزارعين يضيفونها بكميات كبيرة لسرعة الإنتاج والهدف الربح دون التفكير بالتربة “.
وتضيف حول الاستخدام الصحيح لتلك الأسمدة “يوصى إعطاء فرصة للتربة لتأهيلها وصيانتها وذلك بوضع أسمدة عضوية وإيقاف استخدام الأسمدة المعدنية، وبعد خمس سنوات يتم إضافة 1% منها ،أي عدم الاعتماد على الأسمدة العضوية بشكل كامل، فهي كالإنسان بحاجة كميات قليلة من المعادن اللازمة للنمو”.
قام أحد المزارعين في ريف طرطوس بتحديد معظم الأسباب المهددة لإمكانيات التربة وفقاً لملاحظاته وخبرته ، نذكرها كالتالي :
- الطبيعة الجبلية والانحدارات الشديدة مع قلة سماكة التربة التي قد تصل إلى عشرات السنتمترات تؤثر على استقرار التربة وعدم إمكانية استثمارها وزراعتها ويحد من نمو النباتات .
- مخلفات معاصر الزيتون: تتميز المناطق الساحلية بزراعة الزيتون ولكن حسب ما تم ذكره من قبل المزارعين أن المياه الناتجة عن عصر الزيتون في المعاصر تحتوي على نسبة من الزيوت والشحوم وتغير من طبيعة المياه الجوفية وطبيعة التربة المحيطة بها ،وعدم وضع أسس واضحة وصارمة لتصريفها بشكل آمن يشكل خطراً على التربة .
إضافة إلى أن قطع الأشجار وإزالة الغابات تترك التربة دون حصولها على الأمان من الجذور ، بالتالي تسبب الرياح والأمطار الغزيرة تآكلها .
فترات الجفاف الطويلة تمنع النباتات من النمو مما يترك أثراً سلبياً على التربة.
الفيرمي كومبوست والمناخ
دودة تتغذى على النفايات العضوية والبكتيريا ،والمخلفات التي تعطيها بعد عمليات المعالجة هي سماد حيوي هوائي ناتج عن علاقة تبادلية بين دودة الأرض وكائنات حية ،هذا السماد يعرف باسم فيرمي كومبوست
على الرغم من الاختلافات العديدة لدودة الأرض تبعاً لشكلها، حجمها ،موقعها أو نوع التربة الموجودة فيها إلا أنها تلعب دوراً هاماً في تهوية التربة من خلال الأنفاق التي تحدثها وتأثيرها الإيجابي لصحة النبات ونموه .
وعند سؤالنا عن إمكانية حماية هذا السماد من التغيرات المناخية
ذكرت سلافة درويش” إعادة تدوير النفايات والمخلفات العضوية المرمية في المكبات والمزابل مطلقة غازات الدفيئة كغاز الميتان من شأنها التسبب بحرائق وخصوصاً في حال كانت قريبة من الغابات أو قريبة من أرض تحوي حشائش ، لذلك يتم الاعتماد على النفايات العضوية ووضعها في التربة أثناء عملية تكاثر الدودة لتسحبها وتتغذى عليها محولة التربة إلى سماد”.
أمام تلك التحديات ،هل من حل ؟
يعتبر هذا السماد إحدى الحلول الممكنة التي يمكن للمزارع تحمل نفقاتها في ظل الأوضاع الراهنة التي تعيشها سوريا اليوم
إنه يحمي التربة من التآكل وبالتالي محصول زراعي جيد بالإضافة إلى ذلك إعادة تدوير النفايات العضوية يمكن أن يكون أثر إيجابي ولو بنسبة قليلة على البيئة .
تغطية التربة Mulching :إحدى الوسائل لزيادة المادة العضوية في التربة ،من خلالها تحتفظ التربة بالرطوبة بشكل أكثر فعالية وتزداد الكائنات الميكروبية تحتها.
الدورة الزراعية (تناوب المحاصيل):
ذكرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO” تنوع المحاصيل بالتناوب يؤدي إلى تنوع نباتات وحيوانات التربة، حيث تفرز الجذور مواد عضوية مختلفة تجذب أنواعاً مختلفة من البكتيريا والفطريات والتي بدورها تلعب دوراً مهماً في تحول هذه المواد إلى مغذيات متوفرة للنباتات. كما أن تناوب المحاصيل له وظيفة مهمة في مجال الصحة النباتية لأنه يمنع انتقال الآفات والأمراض الخاصة بمحصول معين من محصول إلى آخر .”
بالتأكيد لا يمكن إنكار الجهود الفردية المبذولة ولكن تآكل التربة ليس مجرد مشكلة بيئية عابرة، بل هو تحدٍّ يهدد الأمن الغذائي والاستقرار البيئي في طرطوس وريفها، كما في العديد من المناطق الأخرى. حمايتها تتطلب تكاتف الجهود بين الأفراد والمجتمع والجهات المعنية لتبني ممارسات زراعية مستدامة، والاعتماد على حلول مبتكرة كتقنيات التسميد العضوي وإعادة تدوير النفايات. إدراكنا لأهمية التربة وضرورة حمايتها يعني الحفاظ على أحد أهم موارد الحياة التي توفر الغذاء وتدعم التنوع البيولوجي، وبالتالي تضمن استمرار الحياة لأجيال قادمة.
بقلم : رهام العبد الله
تدقيق: داليا عبد اللطيف