التربية المستدامة: رحلة نحو مستقبلٍ أخضر وواعد

الإرث البيئي: 

الكوكب الذي نعيش عليه اليوم ليس ملكاً لنا فحسب بل هو ثروتنا اليوم و ميراثنا غداً.

تُعتبر المحافظة على الإرث البيئي من أكبر التحديات في عصرنا هذا، عصر التقدم والتكنولوجيا والثورة الصناعية، فهل لنا أن نورث أولادنا وأحفادنا مكاناً ملوثاً خاليا من الموارد و غير صالح للعيش؟

إن التقدم الصناعي والتكنولوجي والحفاظ على البيئة معيارين متناقضين تماماً ويكمن مفتاح نجاتنا في التوفيق والتوازن بين هذين المعيارين ووضعهما في قالب مَرن للحفاظ على كوكب مزدهر ونظيف في ان واحد معاً، إن هذه المرونة لا تولد مع الإنسان بل هي صفة مكتسبة نتيجة تربية سليمة ومستدامة. 

في هذه التدوينة سوف نتعرف ونكتشف معاً مفهوم التربية المستدامة وأهميته في الحفاظ على ثروتنا و ميراثنا للأجيال القادمة.

خلال عدة أعوام ، تفوقت مشكلة الأمن الغذائي لتكون المسألة الأكثر تداولاً كخطرٍ متربص مرهونٌ بتأثيرات التغير المُناخي  ، وفي هذا الصدد تكاتفت جهود الباحثين والتكنولوجيا للوصول إلى آلية يمكنها التكيف مع هجمات التغير المُناخي  وخلصوا إلى ما يسمى بالزراعة الذكية مناخياً (CSA)

مفهوم التربية المستدامة: 

أو ما يُعرف باللغة الإنجليزية بمصطلح ESD (Education for Sustainable Development)  

تُعرف على أنها نهج وعملية تعليمية شاملة تمكّن الأفراد من اكتساب المعرفة والمهارات والقيم اللازمة للمشاركة في بناء مستقبل عادل ومستدام للجميع في كافة مراحل التعليم، واتخاذ قرارات مسؤولة و مستنيرة لضمان مستقبل أفضل لأنفسهم وللأجيال القادمة.

ترى اليونيسكو أن رؤية التربية من أجل التنمية المستدامة تعني عالماً يكون فيه لكل فرد فرصة للاستفادة من جودة التعليم وتعلُم قيّم وسلوكيات وأساليب الحياة اللازمة من أجل تحقيق مستقبل مستدام وتحول مجتمعي إيجابي.

التربية المستدامة عبر التاريخ:

التربية المستدامة ليس بالمفهوم الحديث إذ إن لها خطاً زمنياً يبدأ من القرن التاسع عشر حيث نشأت أفكار التربية البيئية مع كتابات جون ديوي (1859-1952) وآخرين، كما نجدها في منتصف القرن العشرين حيث ازداد الوعي البيئي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية وظهرت مفاهيم مثل “الاستدامة” و”التنمية المستدامة”  و”مفهوم التربية من أجل التنمية المستدامة ” ESD وعُقد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية (ستوكهولم، 1972) ودعا إلى دمج التربية البيئية في التعليم حيث ركزت على ربط الطلاب بالطبيعة وتنمية شعورهم بالمسؤولية تجاهها،  ثم يمتد الى أواخر القرن العشرين حيث ازدادت أهميتها كأداة لمعالجة التحديات البيئية والاجتماعية والاقتصادية ونشأت برامج ومبادرات  لها في جميع أنحاء العالم،  كما وعقد مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (ريو دي جانيرو، 1992) الذي اعترف بالدور الحاسم للتعليم من أجل تغيير اتجاه وسلوكيات الأفراد بما في ذلك المنتجون والمستهلكون كأفراد ومواطنين، وإن كان التعليم حق من حقوق الإنسان فإن التربية من أجل التنمية المستدامة تركز على المبادئ والقيم الأساسية التي يتم نقلها من خلال التعليم.


أما في قرننا الحالي فقد تم دمج ESD في أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة   The Sustainable Development Goals (SDGs)  لعام 2030 حيث ازدادت الجهود لتعزيز الاستدامة في التعليم الرسمي وغير الرسمي وتم تطوير أدوات وموارد جديدة لدعمها.

إذاً التربيةُ المستدامةُ ليستْ مسؤوليةَ المدارسِ فقط، بل هي مسؤوليةُ الجميعِ: الأسرِ والمجتمعِ والقطاعِ الخاصِ والحكومات أيضاً.

أهداف التربية المستدامة: 

يمكن تلخيص أهداف التربية المستدامة كما يلي:

إكساب المعرفة: تعد الخطوة الأولى في مرحلة التعلم وتتم من خلال توعية الطلاب بالتحديات العالمية مثل تغير المناخ والفقر وعدم المساواة، واستنزاف الموارد1- الطبيعية وفهم أبعادها وتأثيراتها على المجتمعات

2-  تنمية المهارات: نحتاج إلى العديد من المهارات لتحقيق اهداف التنمية المستدامة وتساعد التربية المستدامة الطلاب على تطوير مهارات مثل:  التفكير النقدي والتحليل المنهجي وحلّ المشكلات، واتخاذ القرارات المسؤولة، والتواصل الفعال.

3-  تعزيز القيم: تقوم التربية المستدامة بغرس قيم مثل المسؤولية الاجتماعية والبيئية، والعدالة الاجتماعية، واحترام التنوع، والتعاون الدولي.

4-  التّأثير على السلوكيات: من خلال تشجيع الطلاب على اتّخاذ سلوكيات مستدامة في حياتهم اليومية، مثل ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، والحفاظ على البيئة، واختيار المنتجات المستدامة.

مكونات التربية المستدامة: 

1-  المناهج الدراسية: من خلال دمج القضايا الحرجة؛ مثل تغير المناخ، والتنوع البيولوجي، والحدُّ من مخاطر الكوارث الطبيعية، والاستهلاك، والإنتاج في المناهج الدراسية المختلفة مثل العلوم والرياضيات واللغة والتاريخ.

2-  الأنشطة التعليمية: تصميم التعليم والتعلُّم بطريقة تفاعليّة تُركّز على المتعلم والتي تُتيح التعلُّم الاستكشافي والتوجيهي وتتيح للطلاب تطبيق ما تعلموه على أرض الواقع، مثل مشاريع إعادة التدوير، والزراعة الحضرية، والتطوع في المجتمع وتزويد المتعلمين بالمهارات اللازمة للوظائف الخضراء.

3-  بيئة التعلم: خلق بيئة تعليمية إيجابية تُشجع على التعاون وإتاحة الفرصة للطلاب للمشاركة في مشاريع تخدم البيئة والمجتمع سواء محلياً، دولياً وعالمياً.

4- المشاركة المجتمعية: يُعتبر التعلُّم من أجل التنمية المستدامة هو تعلُّم طويل الأمد، وهو جزء لا يتجزأ من التعليم الفعّال، وهو تعليم كلي وتحولي لذلك لا يكفي أن يقتصر التعليم على المدرسة فقط بل يجب إشراك الأسرة والمجتمع في العملية التعليمية وتنظيم فعاليات توعوية حول الاستدامة، حيث يمكن تلخيص العملية التربوية التعليمية المستدامة كما يلي في المخطط: 

 

تحديات وحلول:

تواجه التربية المستدامة اليوم عدداً كبيراً من التحديات خاصة في الدول النامية، من أهمها افتقار الطلاب للمعرفة الكافية بمفاهيم الاستدامة والقصور في تدريب المعلمين اذ يحتاجون الى تدريب متخصص ليقوموا بتدريس مفاهيم الاستدامة بفعالية أكبر، ومن ناحية أخرى نجد افتقار العديد من المدارس والمؤسسات التعليمية الى الدعم المالي الكافي والبنية التحتية اللازمة لدعم البرامج التعليمية المتعلقة بالاستدامة، ليس هذا فحسب بل ما زلنا نجد الى اليوم بعض المناهج الدراسية لا تتضمن موضوعات الاستدامة بشكل كافٍ أو فعال ومقاومة من قبل الإدارات التعليمية والمعلمين بسبب تقليدية الأنظمة التعليمية والصعوبة في تبني المناهج الجديدة وتشكل أيضا الفروقات الاجتماعية والثقافية بكيفية تلقي مفاهيم الاستدامة وتطبيقها تحديا لا يستهان به.

لا يكفي ان نذكر حلولاً لكل هذه التحديات بل علينا الانتقال من القول الى الفعل عن طريق تطوير المناهج الدراسية لتشمل مفاهيم الاستدامة بشكل متكامل وتمكين المعلمين وتدريبهم جيدا لتوجيه الطلاب نحو التفكير النقدي وحل المشكلات المتعلقة بالاستدامة، ليس المعلمين فقط بل من المهم جدا إشراك المجتمع المحلي في مبادرات التربية المستدامة لتعزيز التعاون والتفاهم بين المدارس والمجتمع، لا يمكن تنفيذ كل هذا إلا بتوفير الدعم المالي والإداري الكافيين واستخدام التكنولوجيا ودعم البحوث والدراسات المتعلقة بالتربية المستدامة لتطوير أساليب جديدة ومبتكرة تساهم في تحسين جودة التعليم وتعزيز الوعي البيئي.

سورية رغم الحرب أمنت البيئة التعليمية المناسبة:

كان هذا عنوان مشاركة سورية في المؤتمر العالمي للتعليم من أجل التنمية المستدامة الذي أقامته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” افتراضياً في العاصمة الألمانية برلين عام 2021 حيث أكد وزير التربية السابق الدكتور دارم طباع في كلمته على التزام الوزارة بتطوير مهارات العمل والحياة للوصول إلى إعداد شخص متعلم قادر على تحقيق هذه الأهداف لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة والعمل على تدريب الكوادر التعليمية لتكون قادرة على ربط المفاهيم المعرفية التي تدعم التنمية المستدامة بمهارات وسلوكيات تطبيقية تقود إلى تغيير الممارسات اليومية للمتعلمين في الاتجاه الصحيح  وأنه رغم الحرب الجائرة على سورية خلال العشر سنوات الماضية وانتشار جائحة كورونا عملت الحكومة السورية من خلال وزارة التربية على تأمين البيئة التعليمية المناسبة من ترميم المدارس المتضررة من الإرهاب وتعويض الفاقد التعليمي وتطوير نظم التعلم البديل ومنهاج الفئة /ب/ وتطوير نظم التعلم عن بعد عن طريق بناء خمس منصات تربوية للوصول إلى تحقيق تنمية حقيقية من خلال التربية القويمة والتعليم الصحيح.

ختاماً

يمكننا القول إن التربية المستدامة سوف تلعب دورًا هامًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في العقود القادمة ومن خلال التعاون بين المؤسسات التعليمية والمجتمعات يمكننا ضمان حصول جميع الأطفال والشباب على تعليم يُمكّنهم من مواجهة التحديات العالمية وبناء مستقبل أفضل لأنفسهم وللكوكب.

المراجع:

https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000216383_ara

https://www.raya.com/2016/04/07/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A6%D9%8A-%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9

https://sustainability-excellence.com/%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%A3/#%D8%A3%D9%85%D8%AB%D9%84%D8%A9_%D8%B9%D9%84%D9%89_%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AC%D8%AD%D8%A9

https://pministry.gov.sy/contents/19764/%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%B9-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D9%86%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A9

كتابة: هيلانة شيخ الشباب

إقرأ أكثر مع SCP
تاغز: