الهجرة المناخية

واقع لا يمكن تجاهله:

أصبح تغير المناخ أحد أكثر القضايا إلحاحًا في عصرنا، مع عواقب بعيدة المدى تمتد إلى ما هو أبعد من التدهور البيئي.

 أحد التأثيرات المهمة هو نزوح السكان، لا سيما في المناطق الضعيفة ومناطق النزاعات إذ يمثل الارتباط بين تغير المناخ والهجرة شبكة معقدة من التحديات، وغالبًا ما يُفاقم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القائمة ويُجهد الموارد، فمن الضروري فهم ديناميكيات الهجرة الناجمة عن تغير المناخ لوضع سياسات فعالة لتلبية احتياجات المجتمعات المتضررة.

خلال عدة أعوام ، تفوقت مشكلة الأمن الغذائي لتكون المسألة الأكثر تداولاً كخطرٍ متربص مرهونٌ بتأثيرات التغير المُناخي  ، وفي هذا الصدد تكاتفت جهود الباحثين والتكنولوجيا للوصول إلى آلية يمكنها التكيف مع هجمات التغير المُناخي  وخلصوا إلى ما يسمى بالزراعة الذكية مناخياً (CSA)

ما هي الهجرة المناخية ومن هم لاجئو المناخ؟

يُجبر التغير البيئي التدريجي أو المفاجئ، بدءًا من ارتفاع مستوى البحر إلى الجفاف المستمر والفيضانات الكارثية والتصحر، المجتمعات على ترك منازلهم بحثًا عن ظروف معيشية أكثر أمانًا واستدامة. 

 ففي المناطق الساحلية، يُهدد ارتفاع مستوى البحر سبل العيش ويجعل المجتمعات بأكملها غير صالحة للسكن، مما يُجبر السكان على طلب ملجأ في الداخل أو في الدول المجاورة. وعلى النقيض، تواجه المناطق التي تُعاني من الجفاف المتكرر نقصًا في الموارد المائية وتراجعًا في إنتاجية الزراعة، مما يُجبر السكان على الهجرة بحثًا عن سبل عيش بديلة

 تعرَّف هذه الحركات السكانية غالبًا بـ “الهجرة المناخية” أو “الهجرة البيئية”.

رغم أن مصطلح “لاجئو المناخ” ليس معترفًا رسميًا في القانون الدولي، فإن تعريفه يتسع ليشمل أي شخص تأثر بتغير بيئي مرتبط بتغير المناخ. على سبيل المثال، عندما ضرب إعصاران من الفئة الرابعة هندوراس وغواتيمالا والسلفادور في نوفمبر 2020، تدفق الناس عبر الحدود إلى المكسيك ثم نحو الولايات المتحدة، حيث أدت الأمطار الغزيرة والانهيارات الأرضية إلى فقدانهم لمنازلهم وسبل عيشهم وحصولهم على المياه النظيفة.

يعتقد عمار رحمن، الرئيس العالمي لمرونة المناخ في زيورخ، أن التعريف يجب أن يُطبق على نطاق أوسع، ليشمل أي شخص تأثر باضطراب في مجتمعه يمكن أن يكون مرتبطًا بشكل مباشر أو غير مباشر بتغير البيئة على المدى القصير أو الطويل. تغير المناخ لا يشكل تهديدًا من خلال التسبب في ضرر فوري فقط، بل هو أيضًا خطر طويل الأمد يمكن أن يزعزع استقرار المجتمعات والمؤسسات الاقتصادية ببطء.

ما هي عواقب هذه الهجرة؟ 

العواقب الاجتماعية: 

غالبًا ما يواجه المهاجرون بسبب المناخ عوائق كبيرة تَحول دون الاندماج الناجح في المجتمعات المضيفة لهم، بما في ذلك الاختلافات اللغوية، والأعراف الثقافية، والتمييز الاجتماعي، ويمكن أيضاً أن يؤدي تدفق المهاجرين بسبب المناخ إلى إجهاد الموارد والنسيج الاجتماعي للمجتمعات المضيفة، وبالتالي التنافس على المساكن النادرة والوظائف والخدمات العامة، مما يساهم في التوترات الاجتماعية وصعود المواقف المعادية للأجانب، وبالتالي يزداد تهميش مهاجري المناخ. 

من جهة أخرى، إن تجربة الاقتلاع من المنزل وعدم اليقين والضغط الناتج عن عملية الهجرة، وتحديات التكيف مع بيئة جديدة، يمكن أن تساهم جميعها في مشاكل الصحة العقلية، مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، بين المهاجرين بسبب المناخ، وتعتبر تلبية احتياجات الصحة العقلية هذه أمراً بالغ الأهمية لدعم الرفاهية العامة وتكامل مجتمعات النازحين.

العواقب السياسية:

يمكن أن تؤدي الحركة واسعة النطاق للمهاجرين المناخيين عبر الحدود الوطنية إلى فرض ضغط كبير على مراقبة الحدود وسياسات الهجرة، مما قد يؤدي إلى زيادة عسكرة الحدود والتوترات الأمنية بين البلدان. ومن الممكن أن تؤدي هذه المنافسة الجيوسياسية المتزايدة على الموارد والأراضي إلى زيادة خطر نشوب صراعات دولية، ويمكن أن يؤدي تدفق المهاجرين بسبب المناخ إلى زيادة صعود الحركات الشعبية والمشاعر المناهضة للهجرة في البلدان المضيفة، حيث قد تنظر بعض شرائح السكان إلى الوافدين الجدد على أنهم تهديد للوظائف والموارد والهوية الوطنية مما يساهم في تآكل الأعراف الديمقراطية وتعزيز الأجندات السياسية الإقصائية. 

للأسف لم يتم تصميم الأُطر القانونية الدولية الحالية وأنظمة حماية اللاجئين لمعالجة التحديات الفريدة التي يفرضها النزوح الناجم عن المناخ، والتي قد لا تتناسب تمامًا مع التعريفات الحالية لوضع اللاجئ، وهذا يخلق فجوات في الحماية والدعم لهؤلاء المهاجرين، مما يتطلب تطوير مناهج سياسية جديدة.

العواقب الاقتصادية:

يمكن أن تؤدي هجرة الأفراد المَهرة وفي سن العمل من البلدان المتأثرة بتغير المناخ إلى خسارة كبيرة في رأس المال البشري والإنتاجية الاقتصادية في المناطق المُرسلة. ومن الممكن أن تؤدي “هجرة الأدمغة” هذه إلى زيادة تقويض التنمية والقدرة على الصمود في المجتمعات المتأثرة بالمناخ.

ومن الممكن أن يطغى تدفق المهاجرين بسبب المناخ على الخدمات العامة والبنية التحتية في البلدان المُستقبلة، مما يؤدي إلى نقص في الإسكان والرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الموارد الأساسية. وهذا يجهد الميزانيات الحكومية ويخلق توترات اقتصادية بين القادمين الجدد والمجتمعات المضيفة.

ومع ذلك، فإن وصول المهاجرين المناخيين يمكن أن يوفر أيضًا فرصًا اقتصادية للبلدان المضيفة، حيث قد يساهم المهاجرون بمهاراتهم ومعارفهم وتحويلاتهم المالية في الاقتصاد المحلي، لكن يتطلب تسخير هذه الفوائد المحتملة سياسات تكامل فعّالة واستثمارات عامة في دعم التكامل الاقتصادي للمهاجرين بسبب تغير المناخ.

كيف يمكننا مساعدتهم؟

تتمثل إحدى طرق معالجة الهجرة المناخية في خلق فرص اقتصادية في المجتمعات المهددة بالتغير البيئي، يتطلب هذا النوع من الدعم استثمارًا كبيرًا، ففي مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين الذي عُقد في دبي في نوفمبر 2023، تعهدت الدول الغنية بتقديم أكثر من 700 مليون دولار في “صندوق الخسائر والأضرار”، الذي يهدف إلى مساعدة البلدان النامية المتأثرة بتغير المناخ، ولكن التعهد بالتمويل لا يزال أقل بكثير من مبلغ 400 مليار دولار سنويًا الذي تقول إحدى المنظمات غير الحكومية أنه مطلوب.

هناك قضية أخرى هي الحصول على الحماية، يرى معظم الخبراء أن لاجئي المناخ يحتاجون إلى نفس صفة الحماية الممنوحة للاجئين الآخرين، مثل أولئك الذين فروا من النزاعات. في مارس 2018، وصف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة العديد من لاجئي المناخ بأنهم “ضحايا العالم المنسيين”، مما يعني أنهم لا يتمتعون بحماية قانونية كافية. 

لتصحيح هذا، يجب على الحكومات والهيئات القانونية إعادة صياغة الظروف الناجمة عن تغير المناخ كتهديد لحقوق الإنسان والاعتراف بالتهديد المميت الذي يواجهه لاجئو المناخ، حتى وإن لم يكن هذا التهديد دائمًا بنفس درجة الخطر الذي يواجهه اللاجئون الفارون من النزاعات.

نضيف عليها تحقيق مبدأ العدالة المناخية الذي يؤكد على الإنصاف في توزيع فوائد وتكاليف العمل المناخي، يشمل ذلك الاعتراف بالفوارق التاريخية والمعاصرة في انبعاثات الغازات الدفيئة والضعف إزاء آثار تغير المناخ.

 تؤكد العدالة المناخية على أهمية تعزيز التضامن والتعاون على نطاق عالمي نظرًا لأن تغير المناخ تحدٍّ جماعي يتجاوز الحدود الوطنية، يجب أن تُسترشد الجهود المبذولة لمعالجته بمبادئ الإنصاف والمسؤولية المشتركة، ويُشمل ذلك دعم الدول النامية في جهودها للانتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون، وتقديم المساعدة المالية والتقنية للمجتمعات الضعيفة، والوفاء بالالتزامات بالمُعاهدات المناخية الدولية.

من خلال إعطاء الأولوية للعدالة المناخية في العمل المناخي، يمكن لصانعي السياسات ضمان توزيع فوائد جهود التخفيف والتكيف بشكل عادل، وضمان احترام حقوق واحتياجات السكان المهمشين.

ويبقى الحل الأساسي وصاحب الأولوية هو الحد من تغير المناخ من خلال تحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية باريس للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى أقل من درجتين مئويتين، ويفضل إلى 1.5 درجة مئوية.

هل طال التهديد بالزوال ساحلنا السوري؟ 

تتزايد ملوحة المياه البحرية السورية مثلها مثل مياه الحوض الشرقي للمتوسط بكاملها بشكل تدريجي، بسبب الزيادة المستمرة في نسبة التبخير كنتيجة للزيادة العالمية في درجات حرارة الهواء، وإلى التناقص المستمر في غزارة المياه العذبة الواردة إلى البحر، بسبب بناء السدود على الأنهار الساحلية (أكثر من 20 سد في المنطقة الساحلية)، وهذا يؤثر على التوازن بين ما هو وارد من الماء العذب والتبخير الحاصل.

إن ازدياد احتمال تعرض المناطق الساحلية للغمر قد يقود إلى خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة، كما في فقدان بنية المناطق الساحلية، لجهة إحداث أضرار في المباني والمناطق السكنية، تفكك البنية السكانية وفقدان الانتاج الزراعي.

 في دراسة أعدت ضمن نشاطات البلاغ الوطني الأول المعد للاتفاقية الاطارية للتغيرات المناخية، تأخذ بالحسبان ارتفاع مستوى سطح البحر وانعكاسه على الخواص الفيزيائية الطبيعية والبيئية والاجتماعية للساحل السوري، والتأثيرات المحتملة على المراكز السكانية الرئيسية والبنى التحتية واستعمالات الاراضي تحت السيناريوهات المختلفة والمعتمدة من (IPCC2007).

وقد أظهرت الدراسة أن تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر على القطاعات الرئيسية في المنطقة الساحلية يتمثل بما يلي : 

  • التأثير السلبي على الخصائص الاقتصادية والحيوية والبيئية والطبيعية للمناطق الساحلية في سوريا والتي هي سلفاً تحت الإجهاد الناجم عن النشاطات البشرية المكثفة.
  • يمكن أن يسبب خراباً في الممتلكات الساحلية، خصوصاً عندما يترافق ارتفاع المنسوب مع العواصف القوية (شاليهات فنار ابن هاني ورأس البسيط وغيرها). 
  • التموضع الجغرافي للمدن الساحلية مثل اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس عند مستوى من سطح البحر يسمح بحدوث تأثيرات كبيرة عليها. 
  • التأثير السلبي على الشواطئ الرملية والتي تستخدمها السلاحف البحرية كأماكن تعشيش. 
  • تزداد تعرية الترب الساحلية بسبب زيادة تأثير الهطول المطري على الغابات التي أصبحت شبه جرداء، بسبب الحرائق المتكررة وخصوصا على المنحدرات.
  • التسبب في هجرة المياه المالحة شرقاً باتجاه مداخل الأنهار الساحلية، وخصوصا الأنهار دائمة الجريان مثل نهر الكبير الشمالي ونهر الحصين ونهر الكبير الجنوبي، كما يمكن أن ينساب الماء المالح إلى المياه الجوفية ويلوث مصادرها.

من إجراءات التكيف والتخفيف المقترحة تحسين الغطاء النباتي الشاطئي وتأسيس حاجز ركامي ويمكن تشكيل شواطئ رملية مماثلة للأصل لمساعدة التنوع الوراثي الطبيعي للعمل نحو التكيف المناسب وتطوير استراتيجية وطنية بحيث تأخذ بالحسبان السيناريوهات المحتملة لارتفاع منسوب البحر وتأثيراتها المحتملة على المناطق الساحلية وإجراءات التكيف المطلوبة. 

دراسات عالمية 

يمثل الشكل البلدان في عينات من 127 دراسة على المستويين الجزئي والكلي حول الهجرة المناخية. تشير الظلال الداكنة من اللون الأحمر إلى تردد أعلى مما يعني أن البلدان المعنية كانت مدرجة في عدد أكبر من عينات الدراسة. تم حساب الدراسات الكلية، التي نظرت في عدة بلدان في نفس الوقت، بمقدار النصف على عكس الدراسات الجزئية التي ركزت على بلد واحد فقط. يتم تسليط الضوء على تلك البلدان، التي تم تمثيلها في عدد كبير من الدراسات على المستوى الجزئي (بين قوسين)، على سبيل المثال، هناك 17 دراسة على المستوى الجزئي تتناول الهجرة المناخية في المكسيك و3 في الإكوادور.

يمثل الشكل المفاهيم والتدابير المناخية في 127 دراسة على المستويين الجزئي والكلي حول الهجرة المناخية. يوضح اللوحة (أ) النسبة المئوية للدراسات التي تركز على الأحداث المناخية البطيئة والمفاجئة؛ والنسبة المئوية للدراسات التي تستخدم تدابير مناخية ذاتية الإبلاغ. تشير الأحداث البطيئة إلى الأحداث المناخية التي تظهر على مدى فترة أطول، في حين تشير الأحداث المفاجئة إلى الأحداث المفاجئة، مثل العواصف الشديدة أو هطول الأمطار الغزيرة أو الفيضانات. يشير الإبلاغ الذاتي إلى الأحداث المناخية التي أبلغ عنها المستجيبون في أحد الاستبيانات. يوضح اللوحة (ب) توزيع الدراسات حسب أنواع المخاطر المناخية المختلفة التي تم أخذها في الاعتبار.

ويمكننا الاطلاع على مثال عن دراسة الحالة للهجرة المناخية

دراسة حالة: منطقة الساحل الأفريقي

  • الأثر البيئي: التصحر والجفاف 
  • اجتماعي: يؤدي التنافس على الموارد الشحيحة إلى صراعات بين الطوائف، وضغط على الخدمات الاجتماعية، وتهميش الفئات الضعيفة.
  • سياسي: عدم الاستقرار وصعود الحركات المتطرفة، وإضعاف سلطة الدولة، واحتمال حدوث آثار غير مباشرة على المستوى الإقليمي.

اقتصادي: اضطراب الأنشطة الزراعية والريفية سبل العيش الرعوية، وفقدان الإنتاجية الاقتصادية، وزيادة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

خلاصة القول: 

هناك علاقة قوية بين البلدان الأكثر عرضة لتغير المناخ وتلك التي تعاني من الصراع أو العنف، لهذا يعتبر تغير المناخ ليس مجرد محرك مباشر للنزوح، بل هو “عامل مضاعف للتهديد” ، وكما يقول عمار رحمن: “يقاس المجتمع بكيفية تعامله مع الفئات الأكثر ضعفًا. نحن بحاجة إلى اتخاذ كل التدابير – كصانعي سياسات وشركات وأفراد – لمكافحة تغير المناخ وحماية أولئك الذين هم أول من يتأثرون بآثاره.”

المصادر: 

https://greenarea.com.lb/96019/%D8%AA%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%85-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7/

There could be 1.2 billion climate refugees by 2050. Here’s what you need to know | Zurich Insurance

 www.elsevier.com/locate/gloenvcha

ترجمة: 

مايا جوني 

سارة الكيال 

شادي اسطنبولي

هيلانة شيخ الشباب 

تدقيق 

كندة سعد 

هيلانة شيخ الشباب 

تحرير وتنسيق 

حلا حيدر 

هيلانة شيخ الشباب

إقرأ أكثر مع SCP

تاغز: