الكارثة الكبرى خسارة الغابات التي لا تُعوض في سوريا

من جنة خضراء إلى أراضٍ قاحلة: كيف تحولت غابات سوريا من مساحات تغطي %32 إلى أقل من %3 في غضون عقود؟ 

أزمة عالمية

إذا قمنا بالتفكير في سبب واحد للأحداث التي ستؤثر بشكل عميق على جميع البشر في جميع أنحاء العالم في العقود القادمة، فإنه سيكون التغير المناخي. ستكون العواقب الناتجة عن هذا التغير مؤثرة على كل فرد منا، سواء كنا كباراً أم صغاراً، أغنياء أم فقراء. قد لا تحدث في نفس الوقت أو بنفس الشدة، ولكنها ستصل إلينا جميعاً في النهاية. 

ولعل واحدة من أخطر آثار وأسباب تغير المناخ، والتي بات كوكبنا يشهدها بشكل جنوني في دول ومناطق عديدة منها، هي حرائق الغابات بدءاً من منطقة الشرق الأوسط مروراً بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، حيث أصبح هذا الموضوع يتصدر عناوين الأخبار بشكل شبه يومي معلناً عن تدمير مساحات واسعة من الغابات وعشرات الضحايا من البشر بالإضافة إلى خسارة في التنوع الحيوي والنظم البيئية. كما أن حرائق الغابات تؤدي إلى تفاقم تغير المناخ من خلال المساهمة بشكل كبير في انبعاثات غازات الدفيئة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك عدة عوامل تلعب دوراً بارزاً إلى جانب تغير المناخ في خسارة الغابات نتيجة الحرائق، فبعيداً عن الأسباب الطبيعية لا ينبغي لنا أن نقلل من حقيقة أن البشر يتسببون في معظم حرائق الغابات، حيث أن هنالك أدلة على أن الحرائق يتم إشعالها عمداً لإزالة الغابات وتطهير الأراضي من أجل استثمارها.

غابات سوريا

الحرب وتبعاتها، إلى جانب التغيرات المناخية، أدت إلى تدمير الغطاء النباتي في مناطق كبيرة من سوريا، محولة المناظر الطبيعية الخضراء إلى أراضٍ قاحلة.

كانت سوريا، ولعدة عقود مضت، مغطاة بالغابات والأشجار الحراجية الممتدة من ساحل البحر المتوسط وحتى أطراف البادية السورية، وشكلت نسبة الغابات الطبيعية مع بدايات القرن الماضي ما يفوق %32 من مجمل الأراضي السورية، لكنها تدهورت تدريجيا حتى وصلت نسبتها إلى أقل من %3 من مساحة القطر، وذلك بتأثير تعاقب فترات الجفاف وانتشار الحرائق الطبيعية إلى جانب التعدي على الأراضي والمواقع الحراجية.

هناك مجموعة من العوامل التي أدت إلى هذا التدهور الكارثي وعلى رأسها التحطيب والحرائق وتعاقب فترات الجفاف.  

التحطيب العشوائي والجائر

أظهرت دراسة قامت بها منظمة “PAX” في آذار 2023 تحت عنوان ” المساحات الخضراء بين القطع والحرق” مدى تأثير الأوضاع التي شهدتها سوريا من غياب الكهرباء والوقود بقطع الأشجار على نطاق واسع لأغراض التدفئة والطهي، حيث اعتمد الكثير من السوريين على الحطب كوسيلة بديلة في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.

وكشفت الدراسة التي تستند إلى تحليل الأقمار الصناعية والأبحاث مفتوحة المصدر، التأثير المدمر الذي خلفته 12 عاماً من الحرب على الغابات والبساتين في سوريا، حيث قُطِعت أكثر من ثلث الغابات. يعود ذلك بشكل رئيسي إلى الإفراط في الاحتطاب من قبل المجتمعات التي أصبحت تعتمد فجأة على الخشب والفحم للوقود والتدفئة.


وفي بحث قامت به جريدة “New York Times” تحت عنوان ” الضحية الصامتة: كيف تصبح الطبيعة ضحية للحرب” تحدثت فيه عن الآثار المدمرة للحروب على الغابات، حيث تُدمِر الموائل الطبيعية، وتَقتُل الحياة البرية، وتُولد التلوث، وتعيد تشكيل النظم البيئية بالكامل، مع ما يترتب على ذلك من عواقب تمتد عبر العقود.

الحرائق

كشف مدير قسم الحماية بمديرية الحراج التابعة لوزارة الزراعة مهيدي اليوسف لـ موقع ”أثر” عن حصيلة الحرائق الحراجية التي اندلعت خلال السنوات الخمس الأخيرة في سوريا، والتي بلغت 2158 حريقاً.

وتعد الحرائق من أخطر المهددات المؤثر على استمرارية الإنتاج الزراعي ولا تقتصر آثارها على الحراج فقط، بل تؤثر على إنتاجية الأراضي الزراعية وعلى التنوع الحيوي في المنطقة الجغرافية. 

ومن أهم أسباب الحرائق التي سجلت خلال تلك السنوات، فذُكِر منها “التحريق الزراعي” وهو إشعال النار في الأراضي الزراعية بغية حرق المخلفات الزراعية أو لتنظيف الأراضي، والسبب الثاني هو الإهمال من خلال رمي أعقاب السجائر وحرق المخلفات الزراعية، بالإضافة إلى الكهرباء (ماس كهربائي)، يليه الصواعق والشرر الناتج عنها، والأعمال الإرهابية.

الجفاف

تعرضت سوريا لثلاث موجات جفاف منذ عام 1980، ومن بينها كانت الأكثر تأثيرًا في الفترة من 2006 إلى 2010. وفي صيف عام 2021 شهدت سوريا مستويات هطول أمطار قياسية منخفضة، مما أدى إلى انخفاض حاد في تدفق مياه نهر الفرات. وقد انعكس ذلك بشكل كبير على نمو الغطاء النباتي والمساحات الخضراء.

بقلم: سارة الكيال
تدقيق: داليا عبد اللطيف

إقرأ أكثر مع SCP

تاغز: